محمد ابو زهره

42

خاتم النبيين ( ص )

وأنه مهما يكن فيه من مبالغات لا ينفى العقل وجودها فإنه لا شك أن النصرانية دخلت نجران وفي أول دخولها كانت مسيحية المسيح ، لا النصرانية التي دخلها الانحراف من بعدها ، وإذا كانت قد غشيتها غواشى التحريف في أهل نجران من بعد ، فإن بقية من الاستقامة النفسية كانت فيهم عندما التقوا بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولقد كان مع أهل نجران من العرب من دخل النصرانية غيرهم كنصارى بنى تغلب الذين كانوا مع المسلمين ، واستمروا حتى عصر الراشدين ، ومع انتشار النصرانية في أهل نجران بدعاة المسيحيين الأصليين كان ملكها باقيا على وثنيته ، وقد رأى الشعب يخرج منه الدعاة الذين يدعون إلى توحيد المسيحية الأولى مخلصين ، فشدد في إيذاء هؤلاء الدعاة ونكل بهم ، وأوجد فيهم صنوفا من العذاب ابتدعها ، ولم يسبق بها . أصحاب الأخدود : 38 - وإن أهل نجران أخلصوا في المسيحية وقبلوا في سبيلها العذاب الشديد ، ورضوا به عن أن يغيروا دينهم غير مطمئنين إلى عقيدة سواه ، وابتلوا في ذلك ، فأبلوا بلاء حسنا ، وصبروا . وذلك أن ذا نواس سار إليهم وأراد حملهم على اليهودية ، أو أن يعودوا إلى الوثنية ، فأبى أهل نجران أن يخالفوا ، وأن يرتضوا بالعذاب بدل أن يغيروا ويبدلوا فحفر لهم أخدودا ، أي شق لهم في الأرض شقا طويلا امتد ، وألقى بهم في النار التي أثارها في هذا الأخدود ، وحرقهم ، فما غيروا وما بدلوا ، حتى قالوا أنه ألقى فيها نحو عشرين ألفا أبادهم ، وهؤلاء هم الذين جاء ذكرهم في القران الكريم فقال تعالى : وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ . وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ . وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ . قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ . النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ . إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ . وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ . وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ « 1 » . وهكذا نرى أن الذين عذبوا ذلك العذاب سماهم القران الكريم مؤمنين ، مما يدل على سلامة اعتقادهم وحسن إيمانهم ، وأنهم يؤمنون بالعزيز الحميد ، لا يؤمنون بشيء سواه ، فلا تثليث ولا شريك . وإذا كان هؤلاء هم نصارى نجران ، فهو دليل على أنه لم يصل إليهم التحريف النصراني ، أو لم يكن قد دخل التحريف بعد إلى الدين المتين . وكأنه قد نزل بأولئك المؤمنين الصادقين ما نزل بهم من القياصرة قبل قسطنطين أمثال دقلديانوس ومن قبله نيرون وغيرهما ممن أذاقوا النصارى الخسف والهوان .

--> ( 1 ) سورة البروج : 1 - 10 .